النويري

312

نهاية الأرب في فنون الأدب

مشهودة [ 1 ] ، فإذا تعّلقتم علىّ بكذبة فقد حلَّت لكم معصيتي ! من بيّت [ 2 ] منكم فأنا ضامن لما ذهب له ، إيّاى ودلج الليل ، فإني لا أوتى بمدلج إلَّا سفكت دمه ، وقد أجّلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم . وإيّاى ودعوى الجاهليّة [ 3 ] ، فإني لا أجد أحدا دعا بها إلَّا قطعت لسانه ، وقد أحدثتم أحداثا لم تكن ، وقد أحدثنا لكلّ ذنب عقوبة ، فمن غرّق قوما غرّقناه ، ومن حرّق قوما حرّقناه ، ومن نقب بيتا نقبت عن قلبه ، ومن نبش قبرا دفنته فيه حيّا ! فكفّوا عنّى أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم يدي ولساني ، ولا يظهر من أحد منكم خلاف ما عليه عامّتكم إلَّا ضربت عنقه ! وقد كانت بيني وبين أقوام إحن [ 4 ] فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي [ 5 ] ، فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا ، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته ، إنّى لو علمت أن أحدكم قد قتله [ 6 ] السلّ من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته ، فإذا فعل لم أناظره . فاستأنفوا أموركم ، وأعينوا على

--> [ 1 ] روى أبو علي القالى في النوادر ص 185 قول زياد في خطبته : « ألا وإنها ليست كذبة أكثر عليها شاهدا من اللَّه ومن المسلمين من كذبة إمام على منبر » . [ 2 ] بيت : أصيب من شخص أوقع به ليلا . [ 3 ] ما كان عليه أهل الجاهلية من التعصب القبلي الأعمى يدعو بعضهم بعضا عند الحادث فيقول : « يا لفلان » ، وفي الصحيحين وغيرهما حديث النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية » . [ 4 ] إحن : جمع إحنة ، بمعنى حقد . [ 5 ] روى المبرد في الكامل قول زياد : « الإمرة تذهب الحفيظة ، وكانت من قوم إلى هنات جعلتها تحت قدمي ودبر أذني » ، وقال المرصفي في شرحه ج 4 ص 116 : « دبر : معناه خلف ، يريد تصاممت فلم أصغ إليه » . [ 6 ] رواية المبرد في الكامل : « أخذه » .